رحلة غافل 

دق ناقوس اليقظة عندما ألم بي عارض صحي أدركت بسببه كم هي مسافة البعد التي خطوتها للوراء من الله سبحانه وتعالى ولم تكن المعاصي سبباً رئيسياً لذلك إذ هي نقطة في بحيرة الغفلة، فسارعت الالتجاء إليه إذ لا غير الله هو الملتجأ، وقد وجدته منتظراً.

يا من يرى ما في الضمير ويسمع

أنت المعدُّ لكل ما يتوقع

يا من يرجى للشدائد كلها

يا من إليه المشتكى والمفزع

الإمام أبوالقاسم السهيلي

الهروب مني إليه

قرابة الشهر ونيف لا يكاد أن يغمض لي جفن ويهنأ لي بال، بل التهمتني الوساوس وجال الفكر وأبحر ولَم يعد، حتى أنهكت قواي وشحب لون الوجه لا من علة. لم أَجد غيره الملجأ والملتجأ والمعين والمعافي والرحيم الشافي لأتقرب إليه بالأذكار والصلاة على المختار، كنت أغفو وأصحو هارباً مني إلى الله بذكره والحال في صعود وتفاؤل ورضا حتى علمت ماهي العلة، وقد قيل: إذا أردت أن تعرف قدرك عند الله فانظر أين أقامك، فإذا شغلك بالذكر فاعلم أنه يريد أن يذكرك. وقد أسميت هذه المِحنة أو العارض رحلة غافل، وقد جعلتني هذه الرحلة أتمعن في كل مَن حولي مِن بشر وما حولي مِن جمادات حتى تساءلت عن سر الوجود ولَم أَجد جواباً غير أنني تيقنت أن السر هو سبحانه الذي أنشأ الوجود لعبادته والقرب منه.

ما في الوُجودِ ولا في الكَونِ مِن أَحَدِ

إِلا فَقيرٌ لِفَضلِ الواحِدِ الأَحَدِ

مُعَوِّلونَ عَلَى إِحسانهِ فَُقَرَا

لِفَيضِ أَفضالِهِ يا نِعْمَ مِن صَمَدِ

سُبحانَ مَن خَلَقَ الأَكوانَ مِن عَدَمٍ

وَعَمَّها مِنهُ بِالإفضالِ وَالمَدَدِ

تَبارَكَ اللهُ لا تَحصى مَحامِدُهُ

وَلَيسَ تُحصَرُ في حَدٍّ وَلا عَدَدِ

الإمام الحداد

مجرد مصلحة

انتابني إحساس غريب في رحلتي هذه، اشمأز الخاطر منه، وهو أن علاقتي قائمة مع الله على المصلحة التي هي من طرف واحد، يعني بالعامية «إذا أريده راح أكلمه وإذا ماريده خلاص». أدعي حبه وأعمالي تنفي ذلك. كثير منا وهو بلباس العافية يكاد لا يذكر الله إلا في الفرائض أي وقت الصلاة وأما في باقي الأوقات في غفلةٍ عنه، قد حجبت الدنيا عنا ذلك. كما نعلم أن من علامات حبه لنا سبحانه هو أن يمتحن صبرنا وشكرنا بالابتلاءات، ولن نصل لمقام سيدنا أيوب عليه السلام من الصبر، ولكن هو معيار نعرف به حب الله لنا ونقيس به مدى الرضا الذي في قلوبنا {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، وكثير ما أن نتذكر ونرجع إليه وقت الابتلاء وفي لحظة انقضاء المصلحة، أي ذهاب البلاء، ننسى الرحمة التي حلت منه سبحانه مع علمه المسبق بأننا سنغفل عن ذكره بعد ذلك {وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ}

السِرُّ والذوق

صحيح أن الحال كان منهمكاً والبال منشغلاً ولكن كانت السعادة غامرة والرضا بعد ذلك حاصل عند لحظة القرب وهي لحظة ذكر الله والصلاة على النبي، فيهما سرٌ وذوقٌ عجيب، ولك أن تتخيل وتتصور هذه اللحظة وهي كفيلة لتجد ذلكم السر والذوق، وهي أنك في غالب حياتك كنت مبتعداً عن حبيبك، منشغلاً بفوضى هذه الدنيا، وفِي لحظة قرب تجده هو أقرب مما تتصور {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، سبحانه كفل لنا الأرزاق وألبسنا لباس العافية، نصبح ونمسي على هذه النِعم ومع ذلك نحن مقصرون مبتعدون وهو يقول {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ}.

اليَقَظَةُ

 ما سطره القلم أعلاه ليست بموعظة بل ما هي إلا يقظة غافل مرَّ بها بعد أن أصابته لُطيفة ربانية، وقد عرفت اليقظة بأنها: انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغفلة، كما عرفها ابن القيم الجوزي في كتابه مدارج السالكين وأضاف تحت فصل منازل العبودية قوله:

 

ختاماً ضعوا كل الوساوس والأحداث الصعبة التي تمرون أو ستمرون بها ضمن معادلة حسابية، ستجدون أن مداومة ذكر الله والصلاة على نبيه ومصطفاه هي الحل لتلكم المعادلة.

رحلتي هي أقرب ما تكون إلى مصارحة مع النفس افضت إلى مصالحة مع الرَّب.

تحياتي

عمر بن يحيى الجفري

3 comments

  1. ليتك تصفو و الحياة مريرة وليتك ترضى و الانام غضاب وليت اللذي بيني وبينك عامر وما بيني و بين العالمين خراب ،اذا صح منك الود فالكل هين و كل ما فوق التراب تراب ( اعتقد رابعة العدوية)ا

    Liked by 1 person

  2. كل شخص في مرحلة من حياته تمر عليه فترة استيقاظ تيقظه من الغفلة ولحظة الإستيقاظ هذه تتم بسبب تنبيه إلهي يأتي للجميع رحمة من الله بابن آدم ولكن لا يستفيد منه إلا العاقل فيستغل هذه الفرصة لتكون بداية التغيير نحو الأفضل وهذا التنبيه الإلهي قد يكون حادثه ينجو منها أو مرض أو حتى كلمة قاسية تهزه من الأعماق وهنا كانت يقظتي فالكلمة القاسية تكون أقوى من الرصاصة في الكثير من الأحيان وهذه الغفلة ليست بالضرورة دلالة على معصية بل قد تكون بسبب نسيان الإنسان واندماجه مع نمط الحياة الروتينية عن الهدف الذي خلق من أجله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)أسأل الله أن يوقظنا من رقدات الغفلة ويوفقنا للتزود قبل النقلة ويلهمنا اغتنام الزمان وقت المهلة

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s