ثلاثة عقود دون وطن

محطة وصول
 

السابع من يناير ١٩٨٥، كان يوم فرحٍ وابتهاجٍ وسرور، نعم هو يوم ولادتي، فردٌ زاد في الأسرة وكنت الأخير “اخر العنقود”. مرت الأيام تُسابق الزمن وكبرت وكنت قد ترعرعت في وسط مزدحم ومنشغل بالسياسة من جهة وبالتعاليم الدينية الأصيلة من جهة أخرى، وكان الكل يأتي من بقاع شتى بمختلف أطيافهم السياسية والدينية إذ لا يكاد يمر يوم إلا ومجلس الاستقبال مزدحمٌ بالنقاشات، حديث هنا واختلاف رأي هناك وكان الاحترام تاج السلطان في الاختلاف السياسي كان أو الديني…

(ليس لي وطن) ..

إيماناً بالقضية وانتماء للوطن، قدمت عائلتي كل ما تملك للوسط السياسي التي تنتمي له، قدمت المال الذي تحتاج إليه وتفتقره وقدمت أرواحاً وأعماراً انقضى جلها في المنفى أو لنقل دول الجوار التي نكن لها كل احترام وتقدير، وكان ذلك إبان الحقبة الاستعمارية من الخمسينات حتى الربع الأخير من الستينات من القرن الماضي ثم حركة الوحدة الوطنية بُعيدَ الاستقلال فالحركة اليسارية فالماركسية اللينينية، وكذلك قدموا العمل السياسي على عوائلهم وأنفسهم ولم نر وطناً.

 (ليس لي وطن)

منذ عام ٧٣ وعائلتي والأجيال التي تلتها وهم يحملون جواز دولة لا يعاملون فيها كمواطنين إلا خارج سربها، ويجدون كل الحفاوة والترحيب خارجها وأما في الداخل وباختصار يطلق علينا مصطلح -أجنبي- وأظن بأن هذه السنة ستكون آخر العهد بهذا الجواز .. هنا لا أنكر جميلاً بل أصف حالاً .. وقد مررنا بسنوات أنعمت علينا هذه الدولة بامتيازات -نعترف بجميل ذلك – لم تعد موجودة مؤخراً .

 (ليس لي وطن)

(الغنی في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة) .. سيدنا علي كرم الله وجه

لا غنى في غربة وفقرٌ في وطن، أين هو الوطن!ثلاثون عاماً في كل احتفالٍ لعيدٍ أو لمناسبةٍ وما زال يُغنى على مسامعنا هذه العبارة “العيد القادم سنحتفل به في الأوطان” أو المقولة الشهيرة لأمي الله يمد في عمرها في خير وعافية “سنحتفل في وادي يُشبم” – يُشبم “شبوة” هي المنطقة التي ولدت فيها أمي، حتى أصبحت هذه العبارات أضحوكة لأجيال تلو أجيال.. وأي وطن هذا الذي تتكلمون عنه. 

 (ليس لي وطن)

 عائلتي من المؤسف أن أقول: أنا من جيل لا يؤمن بوجود هذا الوطن غير مسماه الذي تتحدثون عنه .. ولدتم فيه ولم يكن لنا ذلك ،، أكلتم من خيراته ولم نأكل من خيراته ،، كان حَجَره لكم وسادة ورمله لكم لحافاً ولم يكن لنا ذلك .. هو وطنكم .. “أينما رزق الإنسان فذلك موطنه” .. أريستوفان

 وقد قيل قديماً:

“ولــــي وطـــــنٌ آلــيـــت ألا أبـيــعَــهُ

وألاّ أرى غـيـري لــه الـدهـرَ مالـكـا

عهْـدتُ بـه شـرخَ الشـبـابِ ونعـمـةً

كنعمةِ قـومٍ أصبحـوا فـي ظِلالكـا

فـقـد ألفَـتْـهُ الـنـفـسُ حـتَّــى كـأنــه

لهـا جسـدٌ إن بـانَ غــودِرْتُ هالـكـا

وحـبَّــب أوطـــانَ الــرجــالِ إلـيـهــمُ

مــآربُ قضَّـاهـا الـشـبـابُ هنـالـكـا

إذا ذكــــروا أوطـانَـهُــم ذكَّـرتـهـمُــو

عُهـودَ الصبـا فيهـا فحنّـوا لذلـكـا”

 (ليس لي وطن)

 عن أي وطن تتحدثون، عن وطنٍ منهوبة خيراته ومن من؟ من أبنائه! أم عن وطنٍ احتَلَ بل أنعم عليه الله بأن يكون مركزاً استراتيجياً عسكرياً واقتصادياً وباب أمان لكل دول الجوار وهو الآن من يرجو الأمان! أم عن وطنٍ كان له أسبقية الالتحاق بعصر الازدهار والنهضة في المنطقة وأهله الآن ليسوا سِوى أوراق على رفوف المكاتب الأمنية لدى الجوار .. أم عن جوهرة استولى عليها فحامون ..

 وأرى حالكم من حال القائل:

“عام يذهب وآخر يأتي وكل شيء فيك يزداد سوءًا يا وطني” .. محمود درويش

 (ليس لي وطن) 

 الجنوب العربي أو جنوبكم العربي ما زال الصراع فيه قائماً وهذا صراعٌ لا تخشون مواجهته لأنكم تعرفون من تواجهون، بل ما تخشونه هو الصراع في الداخل والسباق على من سيأخذ الحصة الأكبر من الحلوى .. لا بأس ان نتصارع فهو مفهوم التنافس عندنا .. الأهم ان يكون هناك اتفاق على هَمّ القضية وان يُبلوَر لها عنوان تسعون على تحقيقه كأطراف متفقون على الهدف وان اختلفت الأساليب، لنقل أنها مسألة في علم الرياضيات تحوي على معطيات ثابتة ولها عدة أساليب مختلفة والناتج واحد.

 وأختم وأقول نحن لم نتجرع مرارة الغربة، بل تجرعنا مرارة التيه،

هي قصيدة، لا وزن، لا قافية، وعنوانها “وطن”.

قد يصبح لي يوماً وطن

 تحياتي

عمر بن يحيى الجفري

3 comments

  1. صدقت وهذا يقودنا للبحث عن شي دائم ،ارى شخص أمامه خير كبير
    استمر في الكتابة والتفكر وسنصل
    من يحبنا لنا يتركنا وعيشنا بحبه

    Like

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s